مصطفى مسلم
34
مباحث في إعجاز القرآن
فلما قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قام معه ابن عمته عبد اللّه بن أبي أمية ، قال : يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم . . . فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ سلّما إلى السماء ثم ترقى فيه ، وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ، ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول ، وأيم اللّه لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك . ثم انصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » « 1 » . إن المراء والعناد واضح في مطالبهم ، ولو أن هذه الخوارق وقعت كما اقترحوا ما كانت بالتي تقنعهم ، فإن اللّه يضل من يشاء فلا يؤمن ولو أجيب إلى ما يقترحه من الآيات ، ويهدي إليه من أناب فيؤمن بغير اقتراح آيات . إن مطالبهم كانت بقصد التعجيز ولو لبيّت لانتقلوا إلى غيرها ، ومواقفهم العنادية كانت تحتاج إلى تبرير للاستمرار عليها يقول تعالى : وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ( 71 ) [ المؤمنون : 71 ] . إن كون القرآن بلسانهم وأسلوبهم فيه رفع لمقامهم وإعلاء لمكانتهم بين الناس ولكنهم يعرضون عن هذه المزية لعدم إدراكهم لقيمتها وحقيقتها . الحكمة الثانية في هذا الصرف عن المعجزات المادية : إظهار مكانة القرآن الكريم ، وأن المعجزات المادية تتضاءل بجانب معجزته فهو المعجزة الباقية الخالدة إلى يوم القيامة . والرسالة الشاملة الباقية لا بدّ لها من معجزة توائم خلودها وشمولها ، فكان في هذا الالتفات والصرف عن المعجزات المادية إلى المعجزة الفكرية رفع لشأن الأمة من جهة وإبراز لميزات القرآن العظيم وبيان مكانته الرفيعة من جهة أخرى . لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) [ الحشر : 21 ] ،
--> ( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام 2 / 36 .